محمد جواد مغنية

19

الفقه على مذاهب الخمسة

أما إذا اختلطت النجاسة بالماء ، ولم تغير وصفا من أوصافه فقال مالك في إحدى الروايات عنه : هو طاهر قليلا كان أو كثيرا . وقال أهل المذاهب الأخرى : ان كان قليلا فنجس ، وان كان كثيرا فطاهر . ولكنهم اختلفوا في حد الكثرة ، فقال الشافعية والحنابلة « 1 » : الكثير ما بلغ قلَّتين ، لحديث « إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث » والقلتان 500 رطل عراقي ، وقدّرهما بعض شيوخ الأزهر باثنتي عشرة نكتة . وقال الإمامية : الكثير ما بلغ كرا ، لحديث « إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء » . والكرّ 1200 رطل عراقي ، ويعادل حوالي 27 نكتة . وقال الحنفية : الكثير ان يبلغ من الكثرة بحيث إذا حرك أحد جانبي الماء لم يتحرك الجانب الآخر « 2 » . ومما قدّمنا يتبين أن المالكية لم يعتبروا القلتين ولا الكر ، وانه ليس للماء قدر معين عندهم ، فالقليل والكثير سواء في أنه متى تغير أحد الأوصاف تنجس وإلا فلا ، ووافقهم من الإمامية ابن أبي عقيل عملا بعموم حديث « الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب ريحه أو طعمه أو لونه » . ولكن هذا الحديث عام ، وحديث القلتين أو الكرّ خاص ، والخاص مقدم على العام . والحنفية أيضا لم يعتبروا القلتين ولا الكرّ ، وإنما اعتبروا الحركة ، ولم أجد لهذه « الحركة » عينا ولا أثرا في الكتاب والسنّة . ( فرع ) قال الشافعية والإمامية : غير الماء من المائعات كالخل والزيت تنجس بمجرد ملاقاتها للنجاسة ، قلَّت أو كثرت ، تغيرت أم لم تتغير . وهذا ما تقتضيه أصول الشرع ، لأن المفهوم من قول النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « إذا بلغ الماء

--> « 1 » قال الحنابلة : لا ينجس الكثير بالملاقاة إذا لم تكن النجاسة بولا أو عذرة ، فإذا تنجس بأحدهما ينجس ، تغير أو لم يتغير ، إلا أن يكون مثل المصانع التي بطريق مكة ( المغني لابن قدامة ، الجزء الأول ) . « 2 » وهناك أقوال في حد الكثرة غير هذه ، ولكنها متروكة ، منها أن الكثير أربعون قلة ، ومنها دلوان ، ومنها أربعون دلوا .